ابن الجوزي
61
صفة الصفوة
حتى إذا كان العام المقبل أتى الموسم اثنا عشر رجلا من الأنصار فلقوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالعقبة وهي العقبة الأولى ، فبايعوه بيعة النساء قبل أن تفترض الحرب ، وفيهم عبادة بن الصامت ، قال عبادة : بايعنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك باللّه شيئا ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف ، وذلك قبل أن نفترض الحرب فإن وفيتم بذلك فلكم الجنة وإن غشيتم شيئا فأمركم إلى اللّه ، إن شاء غفر وإن شاء عذب . فلما انصرف القوم عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بعث معهم مصعب بن عمير « 1 » إلى المدينة يفقه أهلها ويقرئهم القرآن ، فنزل على أسعد بن زرارة ، فكان يسمى بالمدينة المقرئ فلم يزل يدعو الناس إلى الاسلام حتى شاع الاسلام ، ثم رجع مصعب إلى مكة قبل بيعة العقبة الثانية . قال كعب بن مالك : خرجنا في الحجة التي بايعنا فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم بالعقبة مع مشركي قومنا ، فواعدنا لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم العقبة أواسط أيام التشريق « 2 » ، ونحن سبعون رجلا ، ومعهم امرأتان فلما كانت الليلة التي واعدنا فيها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نمنا أول الليل مع قومنا فلما استثقل « 3 » الناس من النوم تسللنا من فراشنا تسلل القطا حتى اجتمعنا بالعقبة فأتانا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومعه عمه العباس ليس معه غيره ، فقال العباس : يا معشر الخزرج . إن محمدا منا حيث قد علمتم ، وهو في منعة من قومه وبلاده وقد أبى إلا الانقطاع إليكم فان كنتم تخشون من أنفسكم خذلانا فاتركوه في قومه فإنه في منعة من عشيرته وقومه . فقلنا : قد سمعنا ما قلت ، تكلم يا رسول اللّه ، فتكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ودعا إلى اللّه ورغب إلى الإسلام وتلا القرآن فأجبناه بالإيمان به والتصديق له وقلنا له : يا رسول خذ لربك ولنفسك ، قال : إني أبايعكم على أن تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونساءكم . فأجابه البراء بن معرور « 4 » فقال : نعم
--> ( 1 ) هو مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، وهو من أجل الصحابة بدري ، قتل يوم أحد وبيده لواء رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لا عقب له إلا من قبل ابنته زينب تزوجها عبد اللّه بن عبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمر بن مخرم فولدت له ( انظر جمهرة أنساب العرب لابن حزم الأندلسي ص 126 ) . ( 2 ) أيام التشريق : ثلاثة بعد النحر ، كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي للشمس . ( 3 ) الثقل ضد الخفة ، وقد ثقل الشيء بالضم فهو ثقيل . ( انظر مختار الصحاح ص 85 ) . ( 4 ) هو البراء بن معرور السلمي ، صحابي خزرجي من النقباء توفي في السنة الأولى للهجرة .